السرد القصصي منحوت ضمن جزئيات حمضنا النووي. هي أحد المنكهات في حياتنا كبشر التي تجعل ماضينا حميمي وحاضرنا ممتع  ومستقبلنا مليء بالتأملات، وكما يقول الباحث جوناثان غوتشل

“نحن كائنات مدمنة على تلقي القصص وسردها، حتى عندما يذهب جسمنا للنوم يبقى العقل مستيقظاً طوال الليل يسرد لنا قصصاًَ في أحلامنا.”

لا نستطيع أن نكبح أنفسنا عن سرد القصص، هي واحدة من أقوى وأهم مميزاتنا. و لكن لماذا؟
لماذا نحن مرتبطون كل هذا الإرتباط بالقصص؟
ما هو واضح، أننا نحن البشر نحب القصص لأنها وسيلة تساعدنا على نقل أنفسنا عبر هذا العالم بطرق لا يمكن للواقع فعلها.

الأكاذيب الخيالية التي نتداولها بيننا هي القصص التي تساعدنا على الوصول إلى تجارب أكبر وهي التي تصنع لنا اساطير الثقافات.

جميعنا نعرف  الأساطير. وهي في معناها في المعجم الوسيط:  الحكاية التي ليس لها أَصل وتمتزج فيها مبتدعات الخيال، والتي تجسد أحداثها بظواهر خارقة وأحداث مثيرة. على سبيل المثال نحن في إسكلة ترعرعنا بين مدينة مكة وجدة وكنا نسمع كثيراً عن أسطورة حارة المظلوم، التي اكتسبت اسمها من مقتل عبدالكريم البرزنجي، الثائر الحجازي الذي ثار على أمر الحكومة العثمانية بإجبار أهالي المنطقة كرهاً ببناء سور يحمي الحكومة من غزو البرتغال. لم تنجح ثورة عبدالكريم وصلب وقتل في ذلك الحي  وانطلقت من هنا الأسطورة القائلة بأن دماءه شكلت كلمة مظلوم على الأرض.

ليست هذه المرة الأولى التي تقرأ فيها هذه القصة، صحيح؟

نعم، نحن على علم بذلك. وهذا ما هو مهم هنا، على الرغم عزيزي القاريء أننا لا نعرفك معرفة وثيقة ولا يربطنا أي رابط، إلا أننا بطريقة أو بأخرى قد سمعنا قصة حارة المظلوم المشهورة، وحدها القصص والأساطير هي ما تربطنا ببعض وتربطنا  كمجتمعات وثقافات، والأهم من ذلك، كبشر.

القصص هي ما توحدنا كمجتمعات، شعوب، ثقافات, والأهم من ذلك، كبشر.

للآسف الشديد، فكرة الأساطير ارتبطت ارتباطاًَ وثيقاً بالقصص التاريخية، ما يجعلنا نحن (كرواة قصص) في العالم الحديث نتساءل. هل نستطيع كتابة أساطير جديدة لنا؟ أم تبقى فكرة الأسطورة في حدود التاريخ فقط؟ ربما قصص الأبطال الخارقين أو المجلات المصورة والأفلام السينمائية هي بالفعل أساطيرنا الحديثة التي نحاول زرع أنفسنا فيها عبر مشاهدتها أو صنعها.

Story&heart، الأصدقاء الذين قمنا بترجمة تدوبنتهم هذه إلى العربية، وجدوا فيلماً مثيراً يجسد ما يمكن للأسطورة الحديثة أن تكون في عالمنا الحديث.

تصور هذه القصيدة البصرية النثرية، حال 7 رجال أجابوا لنداء شغفهم وسط حياة أعمالهم الروتينية، ومن خلال عواطفهم وعقدهم،  أصبحوا كما لو كانوا أبطالاً خارقين. لكنهم لا يصارعون في الفيلم آي اشرار او قوة شريرة، بل يكمن صراعهم داخل أنفسهم وأن بطولتهم هي سعيهم للشغف أكثر من نتيجة مسعاهم. تجمعهم نقطة جوهرية واحدة: أنهم يسعون لبناء واقعهم وأحلامهم الخاصة.

إن لاحظت، السرد القصصي والأساطير هي ما تجعل واقعنا العادي “لقمة مبلوعة ولذيذة” إن صح استخدام هذه العبارة هنا.
تُعرف الأساطير على أنها مسعى للبحث عن حقائق نتشارك فيها، نبني من خلالها عالماً وقصصاً حولها.

كرواة قصص وصانعي أفلام في إسكلة، نتمنى كثيراً أن تتحول قصصنا الصغيرة إلى أساطير تتشاركها المجتمعات. ولإن هذا في الحقيقة أمر لا يمكن أن يصيب من أول مرة، وجدنا هذه التدوينة التي نود أن تصل لك لنطور فيها جميعاً مهارتنا في سرد القصة.

الأصدقاء في Story&heart لخصوا ما يمكن أن تفعله لتجعل قصتك أسطورة حديثة تتداولها المجتمعات، من خلال طبيعة السرد القصصي الذي قاموا باستنتاجه من فيلم Oil&blood وبالإضافة إلى جميع القصص المشهورة التي نتداولها عندما كنا أطفالاً والتي تحولت عبر الزمان لأساطير وحدتنا كبشر، فيما يلي نصيحتان لتكون راوياً لأسطورة حديثة وتبدأ قصتك برحلتها للعالم:

1. كن صانعاً.

لا نسمي أنفسنا وكل رواة القصص الآخرين بـ”صانعي” محتوى من فراغ.
القصص ليست مجموعة سطور  نجدها في كتاب، او دقائق محدودة لفيديو على اليوتيوب. لدينا إيمان بأن القصص هي من تصنع ثقافات العالم والمجتمعات وهي ما تجعلنا صانعي عوالم لهذه المجتمعات.

في عام 2012، تحدث الباحث جوناثان غوتشل  في المهرجان العالمي للعلوم عن تجربة اثارت اهتمامنا واهتمام  الجمهور

 


لدى جوناثان وجهة نظر واضحة: المجتمع فطرياً يسعى لبناء عوالمه، والسرد هي الأرضية المشتركة لنا جميعاً للبناء. صحيح بأن العلوم والمتغيرات الأخرى مهمة، لكن السرد القصصي هو ما يبني لنا شبكة واضحة للمجتمع نتداول منها العلوم والحقائق من فرد إلى آخر.

 

لا تفقد انبهارك.  

لا أخفيك بأن في كل عام نعيش فيه على هذا الكوكب تصعُب علينا رؤية الأشياء بعيون منبهرة، لأن الإبهار شمعة أعطيت لنا جميعاً عندما كنا صغاراً وقليل جداً من استطاع أن يأخذ هذه الشمعة معه عندما كبر دون أن تنطفيء. لذلك، إن انطفأت شمعتك، ابحث على من يشغلها لك. قد تكون أسهل طريقة للانبهار من جديد من أبسط الأشياء المحيطة، هي رؤية عيون الأطفال وهم يكتشفون عالمهم لأول مرة.


مفتاح نجاح القصة هو المجتمع: إن بدأت القصة تُروى من ألسن مختلفة في المجتمع فأعلم أن راوي القصة نجح في تحويل قصته لأسطورة شعبية لا تنساها الأجيال.